ربما سمعتَ بهذا الاسم من قبل، ولكن إذا كنت تتساءل عما يجري فعلاً مع برمجيات هواوي، فاستعد. نظام HarmonyOS ليس مجرد بديل لنظام أندرويد؛ بل هو مشروع جريء وطموح لإنشاء عالم رقمي تتواصل فيه جميع الأجهزة مع بعضها البعض، بغض النظر عن حجم الشاشة أو قوة المعالج.
لقد وُلد هذا النظام في لحظة حرجة، حين وضعت التوترات بين الولايات المتحدة والصين العلامة التجارية في موقف بالغ الصعوبة. وما بدأ كخطة طارئة لتجنب الانهيار بعد حظر جوجل، تحوّل إلى استعراض للقوة التكنولوجية يهدف إلى الهيمنة على إنترنت الأشياء.
أصل الاستقلال والطريق إليه
على الرغم من أن الفكرة أصبحت معروفة على نطاق واسع في عام 2019 تقريبًا، إلا أن هواوي كانت تعمل على تطويرها منذ عام 2012. لكن العامل الحاسم كان إدراج وزارة التجارة الأمريكية للشركة على قائمة الكيانات المحظورة ، ما منعها من استخدام التكنولوجيا الأمريكية. وقد أوضح ريتشارد يو، أحد كبار المديرين التنفيذيين في الشركة، أنهم بحاجة إلى خطة بديلة للبقاء دون خدمات جوجل.
ومن المثير للاهتمام أن الاسم الصيني "هونغمينغ" يحمل خلفيةً غامضة، إذ يشير في الأساطير الصينية إلى الفوضى البدائية التي سبقت خلق العالم. أما في النسخة الدولية، فيوحي الشعار والاسم "هارموني" بشروق الشمس وانسجام الكون، ساعيين إلى إيصال إحساس بالانسيابية والبدايات الجديدة.
في بداياتها، ولتجنب ترك المستخدمين في مأزق، استخدمت HarmonyOS شفرة برمجية من مشروع Android مفتوح المصدر (AOSP) . سمح هذا بتشغيل تطبيقات Android، وإن كان ذلك دون موافقة جوجل. لكن هواوي لم تكتفِ بكونها مجرد "نسخة محسّنة"، وعملت عن كثب مع جوجل لإزالة كل سطر من شفرة برمجية خارجية.
HarmonyOS NEXT: القفزة الحاسمة
هنا تبدأ الأمور تصبح مثيرة للاهتمام. بعد مرورها بعدة إصدارات، وصلت HarmonyOS NEXT ، وهي النسخة الأصلية من النظام. على عكس الإصدارات السابقة، لا تحتوي هذه النواة على أي أثر لنظام Android، مما يعني أنها لم تعد تدعم ملفات APK، بل تستخدم بدلاً من ذلك حزم .app و .hap الخاصة بها.
يمثل هذا التغيير تحسينًا هائلاً في الأداء، مما يجعله أكثر سلاسة بنسبة 30% من الإصدارات السابقة. وبفضل اعتماده على بنية النواة المصغرة، يتمتع النظام بمرونة فائقة: إذ يمكن تشغيله على جهاز بذاكرة لا تتجاوز 128 كيلوبايت أو على حاسوب بذاكرة تزيد عن 4 جيجابايت، ويتكيف مع مواصفات الجهاز بطريقة معيارية.
نظام بيئي يربط كل شيء
جوهرة التاج هي الترابط التام . لا ترغب هواوي في أن يكون الهاتف هو محور النظام، بل أن يكون النظام البيئي بأكمله وحدةً واحدة. بفضل مفهوم "الجهاز الفائق"، يمكنك التحكم بسيارتك وساعتك وجهازك اللوحي وحتى ثلاجتك من لوحة تحكم واحدة متزامنة.
أطلقت هواوي للمبرمجين DevEco Studio ، وهي بيئة تطوير تعتمد على IntelliJ IDEA، تُسهّل إنشاء التطبيقات باستخدام إطار عمل ArkUI. يتيح هذا للمطورين كتابة الكود مرة واحدة فقط، وسيتكيف التطبيق تلقائيًا مع أي شاشة، سواء كانت تلفزيونًا ذكيًا أو جهاز تتبع لياقة بدنية.
الأمان والأداء الأمثل
من ناحية الأمان، لا يُقصر النظام في شيء. فنظام HarmonyOS 2، على سبيل المثال، يحمل شهادات عالية المستوى مثل EAL 4+ وCC EAL 5+ . علاوة على ذلك، فهو يُطبّق وضع حماية متقدمًا لا يسمح إلا بتثبيت التطبيقات التي اجتازت معايير الترشيح الصارمة لمتجر تطبيقات HUAWEI AppGallery.
من حيث الكفاءة، يُحسّن البرنامج استهلاك الطاقة عن طريق موازنة الحمل بين وحدة المعالجة المركزية ووحدة معالجة الرسومات، مما يُتيح جلسات لعب أطول للألعاب ذات المتطلبات العالية. كما عالج البرنامج مشكلة اختناقات التخزين، مانعًا الجهاز من التباطؤ عند امتلاء الذاكرة.
الاختلافات بين الأسواق الصينية والعالمية
لنكن واقعيين: لا يتم نشر نظام HarmonyOS بنفس الطريقة في بكين كما هو الحال في مدريد. في الصين، النظام ضخم ومستقل تمامًا ؛ هناك، الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وحتى أجهزة الكمبيوتر تحل محل نظامي التشغيل ويندوز وأندرويد بشكل كامل.
- في الصين: تسود الإصدارات النقية (NEXT)، مع انتشار واسع في السيارات (HarmonyOS Cockpit) والأجهزة المنزلية.
- في إسبانيا وأوروبا: التبني أبطأ. لا تزال العديد من الأجهزة المحمولة تستخدم واجهة المستخدم EMUI على نظام التشغيل AOSP للحفاظ على التوافق مع تطبيقات جوجل باستخدام أدوات مثل GBox أو MicroG.
- الأجهزة القابلة للارتداء: تُعد الساعات وسماعات الرأس المنتجات التي يحقق فيها نظام التشغيل HarmonyOS أكبر نجاح خارج الصين، لأنها لا تعتمد بشكل كبير على خدمات جوجل للتألق.
ما بدأ كدرعٍ واقٍ من العقوبات تحوّل إلى منظومة متكاملة تضم ملايين الأجهزة والمطورين. لقد أنشأت هواوي بنية تحتية قادرة على منافسة الشركات العملاقة الراسخة في الأداء والأمان، مع إيلاء الأولوية للسيادة التكنولوجية التي تُعيد تعريف العلاقة بين المستخدمين وأجهزتهم الذكية.